حسن الأمين
29
مستدركات أعيان الشيعة
يضع عليه من يقتله إذا دخل عليه قصره للسلام ، أو في أيام الأعياد ( 1 ) ويقول المقريزي عن موت المستعلي وتولي الآمر : « فلما مات المستعلي » أقام الأفضل من بعده في الخلافة ابنه الآمر باحكام الله ( ج 1 ص 357 ) وهكذا فان استبداد الأفضل في شؤون الحكم قد وصل إلى أنه هو الذي ينصب الخلفاء ويقيمهم وجاء في كتاب ( أدب مصر الفاطمية ) للدكتور محمد كامل حسين ص 52 نقلا عن المقريزي وهو يروي بعض الأحداث ما نصه : « وكان إغلاق هذه الدار العلمية وقع وقع الصاعقة على الخليفة الفاطمي الآمر باحكام الله ، ولكن الخليفة كان مسلوب الإرادة مع وزيره فصبر على مضض » . فتذاكر في ذلك مع ابن عمه عبد المجيد فنهاه عن سلوك هذا الطريق في قتله ، وأشار عليه بان يتولى قتله غيرهم ، وذكر أبا عبد الله بن البطائحي قائلا : « والرأي ان تراسل أبا عبد الله بن البطائحي فإنه الغالب على أمر الأفضل والمطلع على سره ، وتعده أن تولية منصبه وتطلب منه ان يدبر الأمر في قتله » . وقد نجحت هذه الخطة بتفاصيل ليس هنا مكان ذكرها ، ولما قتل ولي الوزارة بعده أبو عبد الله بن البطائحي فتحكم هو الآخر واستبد بالأمور ، وأدى به الحال في النهاية إلى أن يتأمر على الخليفة ( الآمر ) فأغرى أخاه جعفرا بقتله وجعله خليفة بعده ، واتصل خبر المؤامرة بالآمر فكان هو الاسرع بالقضاء على ابن البطائحي . إذا كان قد بدا ان الدولة ( الجمالية ) قد انتهت بقتل الأفضل ، فان الأمر لم يكن كذلك إذ ان مقتل الأفضل لم يكن هو الفصل الأخير في حياة هذه الدولة . ومن أعاجيب الزمان ، وغرائب تصاريف الأقدار ان عبد المجيد بن عم الآمر الذي دبر مع الآمر قتل الأفضل عاد هو يتعاون مع ابن الأفضل . انتهت حياة الآمر قتلا بيد اتباع الحسن الصباح الذي كان قد انشق بهم الحسن عن حكم مصر وعرفوا في التاريخ باسم ( الإسماعيليين النزاريين ) ( 2 ) وكان عمر الآمر حين اغتيل أربعا وثلاثين سنة ، ومدة خلافته تسعا وعشرين سنة . ولما قتل لم يكن له ولد بعده ، فحل الاشكال بان يتولى الحكم ابن عمه عبد المجيد الذي لقب بالحافظ على أن لا يعطى لقب ( الخليفة ) ، وانما يتولى الأمر نائبا عن الخليفة العتيد ، إذ ربما ظهر حمل للآمر ، فإذا ظهر سلم الحافظ الخلافة له . والحافظ هذا المتأمر مع الآمر على الأفضل بن بدر الجمالي استوزر أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي . وإذا كان الأفضل ومن قبله أبوه بدر قد اكتفيا في امر المستنصر والمستعلي والآمر بتجريدهم من السلطة وبابقائهم بما يشبه الإقامة الجبرية ، فان أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي لم يكتف مع ( الحافظ ) بذلك ، بل أضاف إلى الاستبداد بالأمر والاستئثار بالسلطة - أضاف إلى ذلك : الحجر على الحافظ وايداعه في خزانة لا يدخل اليه الا من يريده هو . ونقل أحمد ابن الأفضل هذا كل ما كان في قصر الخلافة إلى داره من الأموال وغير الأموال . ومما فعله انه أسقط اسم الحافظ من الخطبة وأمر بان يخطب له وحده بألقاب رنانة طنانة . وزاد على ذلك بأنه مس العقيدة المذهبية للفاطميين في الصميم - كما تقدم - ، فصمم جماعة على قتله بعيدا عن رأي الحافظ الذي كان محجورا عليه لا يصل اليه أحد - كما ذكرنا - ، ونفذوا التصميم وقتلوه . وأخرج الحافظ من الخزانة التي كان فيها وبويع هذه المرة لا باعتباره نائبا عن الخليفة المنتظر ، بل بويع خليفة أصيلا . وهكذا انتهى امر الجماليين في حكم مصر بقتل أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي . تصرفات كربوقا وإتماما للحديث عن الصليبيين نذكر ما يلي : يحدثنا ابن الأثير في تاريخه ( ج 10 ص 276 طبعة 1966 ) عن زحف كربوقا لانقاذ أنطاكية كما يلي : « جمع العساكر وسار إلى الشام واقام بمرج دابق واجتمعت معه عساكر الشام ، تركها وعربها سوى من كان بحلب . فاجتمع معه دقاق بن تنش وطغنكين أتابك ، وجناح الدولة صاحب حمص وأرسلان تاش صاحب سنجار سليمان ابن ارشف وغيرهم من الأمراء أو ممن ليس مثلهم فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم . وسار المسلمون فنازلوا أنطاكية . وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظنا منه انهم يقيمون معه على هذه الحال ، فاغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال ، وعزموا على إسلامه عند المصدوقة . واقام الفرنج بأنطاكية بعد ان ملكوها اثني عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه ، وتقوت الأقوياء بدوابهم ، والضعفاء بالميتة وورق الشجر ، فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد ، فلم يعطهم ما طلبوا ، وقال : لا تخرجون الا بالسيف ( 3 ) وكان معهم من الملوك : بردوبل وصخبل وكندفري والقمص صاحب الرها وبيمنت صاحب أنطاكية ، وهو المقدم عليهم .
--> ( 1 ) ابن الأثير ج 10 ص 590 طبعة 1966 . ( 2 ) في أواخر عهد المستنصر كان الحسن الصباح في مصر وشاهد بنفسه تفرد الأفضل بن بدر الجمالي بالحكم واستبداده بالمستنصر ، واقتنع بان المستنصر كان مرغما على صرف ولاية العهد عن ولده الأكبر نزار إلى ولده الأصغر احمد الذي عرف بعد ذلك بلقب المستعلي . فقرر الحسن التمرد على ذلك ورفض بعد موت المستنصر الاعتراف بخلافة أحمد وأعلن أن الخليفة بعد المستنصر هو نزار ، وصمم على الانفصال عن الخلافة المحكومة باسم الجماليين ، وأنشأ حكم مستقل عنها . وبعد خطوب واحداث ليس هنا مكان ذكرها ، أعلن حكومته المستقلة في إيران واتخذ من قلعة ( الموت ) قاعدة ، وأنشأ حركة الفدائيين ، وصار أعدى أعداء الحكم في مصر . ومن اعمال فدائييه اغتيال ( الأمر ) . ( 3 ) المقصود بطلب الأمان : هو ان يلقوا سلاحهم ويستسلموا خارجين بدون سلاح على أن يكونوا آمنين على أرواحهم فلا يقتل منهم أحد ، ولا يكونون اسرى ، بل ينطلقون راجعين إلى بلادهم . وقد كانت القيادة الصليبية كلها في أنطاكية كما عدد رجالها ابن الأثير فيما تقدم من القول ، فطلبها الأمان واستسلامها كان معناه انتهاء الحروب الصليبية عند أنطاكية وعودة رجالها إلى بلادهم شراذم جائعة عارية .